علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

286

الصداقة والصديق

لي مهجته ، كان أطوع لي من كفّي ، وكنت أذلّ له من نعله ، أتكلم بكلامه فينطق بلساني ، إن قلت خيرا أعانني ، وإن ملت إلى سيئ ردعني ، كان واللّه إذا قال فعل ، وإذا حدّث صدق ، وإذا أؤتمن لم يخن ، ضاحك السّن ، مسفر الوجه ، كان إذا غاب فكأنه شاهدي ، وإذا غبت عنه فكأنه يراني ، لا ينطق لسانه بخلاف ما يضمر جنانه « 1 » ، لا يدري أيّنا أسرّ بصاحبه ، ولا أيّنا أصدق مودة بخليطه ، آنس ما كنّا إذا اجتمعنا ، وأوحش ما كنّا إذا افترقنا ، ما تفرّقنا طول صحبتنا إلّا يوما حسبناه حولا ، أغبط ما كنّا إذا رمى الدهر فلم يشق إذ رمى من كان روحه روحي ، ونفسه أعزّ عليّ من نفسي ، فليته أصابني وأخطأه ، وإذا لم يخطئه أصابني معه ، فيكون موتنا معا كما كان عيشنا معا ، مات فمات الوفاء بعده ، خاب الرجاء فما ألذّ بعده طعاما ، ولا أسيغ شرابا ، غمّا له ، واكتئابا عليه ، وشوقا إليه ، فلو كنت أقول الشعر لرثيته آخر الدهر ، ولأتعبت بالقوافي الكاتبين ، فبليت بعده بمن إذا أحببته أبغضني ، وإن وددته عاداني ، وإن أقبلت نحوه ولّى عني ، فهو كالذئب والغراب ، ما للذئب يناله الغراب ، وما للغراب فالذئب لا يطمع فيه ، حسبك به غادرا ، تراه عن الوفاء مبطئا ، وإلى الخيانة مهملجا « 2 » . [ تعهّد الإخوان ] قال أرسطوطاليس في رسالة أفدناها أبو سليمان : تعهّد الإخوان بإحياء الملاطفة ، فإن التارك متروك ، ثم تعهّد إخوان الإخوان ، فإن

--> البصرة ، كان ماجنا خبيث اللسان ذا نادرة ، دخل بغداد في أيام الرشيد والمتوكل وقد أعجب به المتوكل فأمر له بعشرة آلاف درهم فأخذها وانحدر فمات بها فرحا ، راجع : تاريخ بغداد 1143 . ( 1 ) الجنان : القلب . ( 2 ) هملج هملجة البرذون : مشى مشية سهلة في سرعة . حسن سيره . ودابة هملاج : حسنة السير في سرعة وبخترة .